الآلوسي

6

تفسير الآلوسي

إما في وقت - الجعل - أو في وقت التحويل ، وما كان لعارض يزول بزواله ، وقيل : المراد بالقبلة الكعبة بناءاً على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي إليها بمكة ، والمعنى ما رددناك إلا لنعلم الثابت الذي لا يزيغه شبهة ولا يعتريه اضطراب ممن يرتد بقلقلة واضطراب بسبب التحويل بأنه إن كان الأول حقاً فلا وجه للتحويل عنه ، وإن كان الثاني فلا معنى للأمر بالأول - والجعل - على هذا حقيقة ، و * ( يتبع ) * للاستمرار بقرينة مقابله ، ويضعف هذا القول أنه يستلزم دعوى نسخ القبلة مرتين ، واستشكلت الآية بأنها تشعر بحدوث - العلم - في المستقبل - وهو تعالى لم يزل عالماً - وأجيب بوجوه ، الأول : أن ذلك على سبيل التمثيل ، أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم . الثاني : أن المراد - العلم - الحالي الذي يدور عليه - فلكُ الجزاء - أي ليتعلق علمنا به موجوداً بالفعل ، فالعلم مقيد بالحادث ، والحدوث راجع إلى القيد . الثالث : أن المراد ليعلم الرسول والمؤمنون ، وتجوز في إسناد فعل بعض خواص الملك إليه تنبيهاً على كراهة القرب والاختصاص ، فهو كقول الملك : فتحنا البلد ، وإنما فتحها جنده . الرابع : أنه ضمن العلم معنى التمييز أو أريد به التمييز في الخارج ، وتجوز بإطلاق اسم السبب على المسبب ؛ ويؤيده تعديه بمن كالتمييز - وبه فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - ويشهد له قراءة * ( ليعلم ) * على البناء للمفعول حيث إن المراد ليعلم كل من يأتي منه - العلم - وظاهر أنه فرع تمييز الله وتفريقه بينهما في الخارج بحيث لا يخفى على أحد الخامس أن المراد به الجزاء ، أي لنجازي الطائع والعاصي ، وكثيراً ما يقع التهديد في القرآن بالعلم . السادس : أن * ( نعلم ) * للمتكلم مع الغير ، فالمراد ليشترك - العلم - بيني وبين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، ويرد على هذا أن مخالفته مع جعلنا آب عنه ، مع أن تشريك الله تعالى مع غيره في ضمير واحد غير مناسب ، ثم العلم إن كان مجازاً عن التمييز - فمن ، وممن - مفعولاه بواسطة وبلا واسطة ، وإن كان حقيقة فإما أن يكون من الإدراك المعدى إلى مفعول واحد - فمن - موصولة في موضع نصب به ، و * ( ممن ) * حال أي متميزاً ( ممن ) أو من - العلم - المعدى إلى مفعولين فمن استفهامية في موضع المبتدا ، و * ( يتبع ) * في موضع الخبر ، والجملة في موضع المفعولين ، * ( ممن ينقلب ) * حال لمن فاعل * ( يتبع ) * وبهذا يندفع قول أبي البقاء : إنه لا يجوز أن تكون ( من ) استفهامية لأنه لا يبقى لقوله تعالى : * ( ممن ينقلب ) * متعلق لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده ، ولا معنى لتعلقه بيتبع والكلام دال على هذا التقدير - فلا يرد أنه لا قرينة عليه - ثم إن جملة * ( وما جعلنا ) * الخ ، معطوفة كالجملتين التاليتين لها على مجموع السؤال والجواب بيان لحكمة التحويل ، وقيل : معطوفة على * ( ولله المشرق والمغرب ) * ( البقرة : 115 ) ويحتاج إلى أن يقال حينئذ : إنه صلى الله عليه وسلم مأمور بأداء مضمون هذا الكلام بألفاظه إذ لا يصح ضمير المتكلم في كلامه عليه الصلاة والسلام ، وفيه بعد مّا كما لا يخفى * ( وَإن كانَتْ لَكَبيرَةً ) * أي شاقة ثقيلة ، والضمير لما دل عليه قوله تعالى : * ( وما جعلنا ) * ( البقرة : 143 ) الخ من الجعلة ، أو التولية ، أو الردة ، أو التحويلة ، أو الصيرورة ، أو المتابعة ، أو القبلة ، وفائدة اعتبار التأنيث - على بعض الوجوه - الدلالة على أن هذا الرد والتحويل بوقوعه مرة واحدة ، واختصاصه بالنبي صلى الله عليه وسلم كانت ثقيلة عليهم حيث لم يعهدوه سابقاً ، والقول بأن تأنيث ( كبيرة ) يجعله صفة حادثة ، وتأنيث الضمير لتأنيث الخبر فيرجع إلى - الجعل - أو الرد أو التحويل بدون تكلف تكلف عريّ عن الفائدة و * ( إن ) * هي المخففة من الثقيلة المفيدة لتأكيد الحكم ألغيت عن العمل فيما بعدها بتوسط ( كان )